هل حقاً هذا قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)؟!

2025-12-31 10:58

بقلم/ المرحوم الاستاذ حيدر السلامي

يُثار بين الفينة والأخرى الشك بفعل فاعل، ويدور جدل بقول قائل، حول قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهل هو المشهد المزار المشهور في النجف الأشرف حقيقة، أم لا؟!.. ولكي أشبع فضولي أولاً وأقدم معلومة دقيقة، ومعرفة وثيقة لقرائي ثانياً، ولإطفاء الإثارة ثالثاً، تأبطت حقيبتي الصحفية بما تحويه من قلم ودواة، وصبر وأناة، وشرعت أجوب المصادر، وأستجوب المراجع، وأجول بين المتون والهوامش في كل ما وقعت عليه عيناي من مقروءٍ، حتى خرجت بذخيرة أرجو أن تغني اللبيب وترضي البعيد والقريب في هذه السطور..

سبب الإخفاء

ابتدأت بالسيد عبد الكريم بن طاووس، بالسؤال التاريخي: من أخفى القبر ولماذا؟! فأجاب من غير عناء أو تكلف: "إن علياً (عليه السلام) أوصى بدفنه سراً، خوفاً من بني أمية وأعوانهم والخوارج وأمثالهم، فربما إذا نبشوه مع علمهم بمكانه حمل ذلك بني هاشم على المحاربة والمشاقفة التي أغضى عنها (عليه السلام) في حال حياته، فكيف لا يوصي بترك ما فيه مادة النزاع بعد وفاته؟!".

مضيفاً: "وقد كان في طَيِّ قبره فوائد لا تحصى غير معلومة لنا بالتفصيل".

فيما ذكر صفوان الجمال: "أنه سأل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن السبب الذي منع من إظهار القبر، فأجابه: "حذراً من بني مروان والخوارج أن تحتال في أذاه".

وفي الإطار ذاته، قال الشيخ جعفر محبوبة: "إن الحجاج بن يوسف الثقفي، حفر ثلاثة آلاف قبر في النجف، طلباً لجثة أمير المؤمنين (عليه السلام)".

وقت الظهور

قال الشيخ المفيد: "فلم يزل قبره (عليه السلام) مُخفىً حتى دَلَّ عليه الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) في الدولة العباسية" أي في عام 132هـ/749م.

وأكد صفوان الجمال "أنه استأذن الإمام الصادق (عليه السلام) بأن يخبر الأصحاب من أهل الكوفة بذلك فأجابه: نعم، وأعطاه دراهم، وأصلح القبر".

وبحسب مؤرخين فإن سبب الموافقة على إظهار القبر الشريف في هذا الوقت بالذات، يعود إلى زوال الخوف والحذر الذي كانت تفرضه الظروف السياسية السابقة.

ويؤكد هؤلاء المؤرخون: "إن الإمام الصادق (عليه السلام) لم يكتف بأن دلّ شيعته على القبر، بل أمرهم بزيارته وذلك عندما ورد العراق بطلب من أبي العباس السفاح – (أول حاكم عباسي)، إذ التقاه في الحيرة".

مشيرين إلى أن الإمام (عليه السلام) حينذاك بنى على القبر دكّة للدلالة عليه.

ويؤيد إسحاق بن جرير ذلك، بل ويحدد موضع القبر ناقلاً عن الصادق (عليه السلام)، القولَ: "إنيّ لما كنت بالحيرة عند أبي العباس، كنت آتي قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) ليلاً، وهو بناحية نجف الحيرة، إلى جانب غري النعمان، فأصلي عنده صلاة الليل وأنصرف قبل الفجر".

حكاية هارون

ووفقاً لما يقوله عبد الله بن حازم فإن الحاكم العباسي هارون هو أول من اكتشف القبر الشريف وذلك سنة 170هـ/786م أو 175هـ/791م عند خروجه للصيد في الكوفة ووصوله إلى ناحية الغريّين والثويّة إذ رأى "ظباءً فأرسل عليها الصقور والكلاب فجاولتها ساعة ثم لجأت الظباء إلى أكمة فوقفت عليها فسقطت الصقور ناحية ورجعت الكلاب، فتعجب الرشيد من ذلك، ثمَّ إنَّ الظباء هبطت من الأكمة فهبطت الصقور والكلاب فرجعت الظباء إلى الأكمة فتراجعت عنها الصقور والكلاب، ففعلت ذلك ثلاثاً، فقال الرشيد هارون: "اركضوا فمن لقيتموه فأتوني به، فأتي بشيخ من بني أسد، فقال له هارون: أخبرني ما هذه الأكمة؟ قال: إنْ جعلتَ لي الأمان أخبرتُك، قال: لك عهد الله وميثاقه ألاّ أهجيك ولا أوذيك، فقال: حدثني أبي عن آبائه أنهم كانوا يقولون إنَّ في هذه الأكمة قبر عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، جعله الله حرماً لا يأوي إليه شيء إلاّ أمن".

نقد و رد

ويرى محققون معاصرون أن حكاية اكتشاف هارون العباسي لقبر أمير المؤمنين (عليه السلام) غير مقبولة بالمرّة وأنها مردودة بقول الإمام الصادق (عليه السلام) وحثّه الشيعة على زيارته فضلاً عن قيامه هو شخصياً بالزيارة وبناء الدكة على القبر الشريف وأن الفاصلة الزمنية بين ذلك وحكاية هارون يزيد على ثلاثين سنة.

كما استبعد هؤلاء المحققون أن يهتم هارون العباسي بقبر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويعمل على إظهاره وإشهاره وبنائه بسبب نصبه العداء لأهل البيت (عليهم السلام) وظلم شيعتهم، ويكفي على ذلك دليلاً سجنه الإمام موسى الكاظم عليه السلام ثم اغتياله بالسم.

موقع القبر

توجهت إلى الشيخ ليث الكربلائي، بالسؤال عن موقع القبر فدلّني على عشر روايات عن أهل البيت (عليهم السلام) وقال: "إن جميع هذه الروايات قد بلغت حد التواتر وهناك الكثير وكلها تتفق على أن قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما يقع في ظهر الكوفة أي في موضعه المعروف هذا والمسمى بالنجف الأشرف"، مؤكداً: "إن هذا هو قول الشيعة وإجماعهم عليه تبعاً لأئمتهم (عليهم السلام)، ومن زاره منهم السجاد والباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام) كما في كامل الزيارات وغيره من المصادر المعتبرة وقد وصلنا هذا التشخيص عنهم بالتواتر المفيد للقطع وتلقاه أصحابهم في زمانهم وعملوا به فكانوا يزورون هذا القبر الشريف في موضعه الفعلي الآن ويدل على ذلك نصوص تاريخية وروائية كثيرة". 

وقلت للكربلائي فمن أين جاءت الأقوال الأخرى.. وهناك من زعم أنه دفن في الرحبة أو في المسجد أو تحت حائط جامع الكوفة أو في قصر الإمارة أو في المدينة عند قبر فاطمة عليها السلام وربما زعم البعض أنه في أفغانستان؟!.

فأجاب: "بعد أن علمنا تشخيص أهل البيت (عليهم السلام) لموضع القبر الشريف ووردنا ذلك عنهم بالتواتر فلا يهمنا اطلاقاً ما يراه من يخالفهم، مع أن كثيراً من المؤرخين يوافقنا الرأي ومنهم على سبيل المثال المؤرخ الكبير محمد بن السائب الكلبي(المتوفى 146هـ) قال لمّا سُئل عن موضع قبر أمير المؤمنين (عليها السلام): "أخرج به ليلاً، خرج به الحسن والحسين وابن الحنفية وعبد الله بن جعفر وعدة من أهل بيته، فدفن في ظهر الكوفة" وظهر الكوفة الغري كما هو معلوم.

وأكد الكربلائي: "بأن كثيراً من الآراء المخالفة لذلك لا تكاد تتتبَّع منبعه حتى تجده صادراً من أموي الهوى!.. نعم الأمويون الذين تمّ إخفاء القبر الشريف مدّة خلافتهم خوفاً من أن ينبشوه هم أنفسهم بعد أن زالت السلطة من أيديهم وأعلن أهل البيت (عليهم السلام) عن مكان القبر حزّ في نفوسهم رؤية الناس تزوره وتعظّمه فصاروا يضعون الاشاعة تلو الاشاعة عسى أن ينصرف الناس عن هذا القبر الذي أتعبهم صاحبه حياً وشهيداً!، وكأنموذج من إشاعاتهم مثلاً: (كان عبد الملك بن عمير يشيع بين الناس أن الامام علي (عليه السلام) دُفن بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد كما جاء في البداية والنهاية لابن الأثير، وعبد الملك وهذا كان قاضياً للأمويين في الكوفة بعد عامر الشعبي)".

 وفي سياق ذي صلة، سألت الشيخ ليث الكربلائي عن القول بأن القبر المعروف ينسب إلى المغيرة بن شعبة؟.. فأجاب: "هذه حكاية ليس لها سند معتبر، فرجاله غير ثقاتٍ وكلهم من المخالفين لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ولم يرد في حقهم توثيق من طرقنا ولو تجاوزنا ذلك فإن الحضرمي راوي الخبر عاش في القرن الثالث فما أدراه بحوادث القرن الأول؟! ولم يخبرنا بسنده ومن ثمّ لو تجاوزنا ذلك فإن الواسطة بين ابي نعيم ومطين، أعني الطلحي وهو عبد الله بن يحيى بن معاوية شخص مجهول حتى عند علماء الرجال من أهل السنة، فلا يعرفون عنه شيئا غير اسمه وربما هو شخصية خيالية اختلقها بعضهم لوضع الأحاديث وتزويرها، أضف إلى ذلك أن غير واحد من العلماء كابن الأثير في غريب الحديث والحموي في معجم البلدان وغيرهما ذكروا أنّ قبر المغيرة في الثوية وذكر غيرهم أنّ موضعه غير معلوم ولم يرد أنه في الغري من غير هذا السند الذي حاله كما تراه".

أخيراً تساءل الكربلائي مستنكراً: "من أعرَف بموضع قبر الرجل.. أهل بيته وأحفاده وأصحابه الذين دفنوه بأيديهم أم خصومه والمخالفون له الذين لم يحضروا دفنه ولا تربطهم به صلة؟!".

العمارة الأولى

يفند الدكتور صلاح الفرطوسي وآخرون، حكاية هارون السابقة، ويذهب الفرطوسي إلى أبعد من ذلك فلا يصدق أن الحاكم العباسي بنى على القبر بنياناً معللاً الأمر بأن رواية ابن الطحال التي ذكرت ذلك لا سند لها ولم ترد في مصدر يعول عليه، بل هي متدافعة لا تصمد، كما يقول الفرطوسي ويضيف: "فالضريح المقدس بنيت عليه غير بناية ما بين القرنين الثالث والسادس واشتهرت من عماراته عمارة بقبة بيضاء هي عمارة عضد الدولة".

ويعلل تضعيفه للرواية بأن بناء القباب على القبور لم يكن معروفاً في ذلك العهد، وأنَّ أول قبّة شيدت على ضريح في العراق كانت على قبر المنتصر بالله بن المتوكل العباسي في سامراء بعد وفاته سنة248هـ/ 862م!، وبهذا الصدد تقول الدكتورة سعاد ماهر: "حرصت والدة الخليفة المنتصر-وهي إغريقية الأصل- على بناء ضريح له بعيداً عن القصر الذي يسكنه عُرف بإسم قبة الصٌّليبية".

نهاية المطاف

خلصتُ من جولتي في بساتين المعرفة بحثاً عن حقيقة قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن إثارة موضوع كهذا بين الحين والآخر لا يخدم أحداَ ولا يعني شيئاً في الأصل، وما الغاية منه إلا كسب الشهرة من باب "خالف تعرف" أو ربما يكون هذا الموضوع جزءاَ من حملة التشكيك التي يقودها أناس عرفوا بهذا المنهج لمحاربة الدين وإضلال المسلمين وتشويه الحقائق خدمة للشيطان واتباعاً للهوى أو تنفيذاً لأجندة خارجية ومآرب ناصبية، ولو تنزّلنا عن ذلك كلّه وحملناهم على واحد من سبعين محمل وقلنا بصلاحهم فلا مناص- حينئذٍ- من اتهامهم بالجهل في القضايا التاريخية والدينية. 

العودة إلى الأعلى