العراق نحو سياحة ثقافية مسؤولة ومسار اقتصادي مستدام
بعد عقود من الغياب عن خريطة السياحة العالمية، بدأ العراق خلال السنوات الأخيرة يستعيد حضوره كوجهة ثقافية ودينية وبيئية، مستفيداً من استقراره النسبي وثرائه الحضاري الذي يعود إلى أقدم الحضارات الإنسانية. وتشير بيانات رسمية وتقارير دولية إلى أن قطاع السياحة بات يمثل أحد الرهانات الاقتصادية الجديدة للعراق، إذ ساهم بنحو 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023، بما يعادل نحو 11.4 مليار دولار. كما أعلنت وزارة السياحة أن أكثر من 400 ألف سائح أجنبي زاروا البلاد عام 2024 لأغراض ثقافية وشخصية، مقارنة بنحو 120 ألف زائر فقط عام 2022، في مؤشر على تعاف تدريجي للقطاع.
تطوير البنية التحتية السياحية
شهدت البنية التحتية السياحية في العراق تحسناً ملحوظاً، تمثل في افتتاح فنادق ومنتجعات جديدة في بغداد وعدد من المحافظات، إلى جانب تحديث مطارات النجف والبصرة وأربيل لزيادة قدرتها الاستيعابية. كما جرى افتتاح مراكز معلومات سياحية ولافتات إرشادية لخدمة الزوار المحليين والأجانب.
وفي إطار تسهيل دخول السياح، اعتمد العراق نظام التأشيرة الإلكترونية والتأشيرة عند الوصول لمواطني عشرات الدول منذ عام 2021، ما خفف من القيود الإدارية التي كانت تعيق حركة السياحة. ومع ذلك، يشير خبراء إلى أن تطوير وسائل النقل الداخلي، ولا سيما السكك الحديدية وخدمات النقل السياحي الجماعي، ما زال يمثل تحدياً رئيسياً.
وبالتوازي مع تطوير البنية التحتية، بدأت الجهات العراقية بتبني مفهوم السياحة المستدامة، خاصة في المناطق ذات الحساسية البيئية. ففي الأهوار الجنوبية، المصنفة على لائحة التراث العالمي، تنظم مجتمعات محلية رحلات سياحية تعتمد على القوارب التقليدية، وتوفر للزوار تجربة بيئية وثقافية فريدة.
كما أطلقت وزارة السياحة مبادرات تهدف إلى إنشاء مرافق سياحية منسجمة مع المواقع الأثرية، فيما تعمل منظمات محلية، بالتعاون مع جهات دولية، على تدريب المجتمعات المحلية وتمكين النساء اقتصادياً عبر الحرف التقليدية المرتبطة بالمسارات السياحية.
ووسع العراق تعاونه مع منظمات دولية، من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لتطوير السياحة المجتمعية وحماية المواقع الأثرية، لا سيما في إقليم كردستان. كما شارك في مبادرات إقليمية تهدف إلى تعزيز السياحة العربية المستدامة، مع اختيار بغداد عاصمةً للسياحة العربية لعام 2025.
وتهدف هذه الشراكات إلى جذب وكالات سفر دولية لتنظيم رحلات ثقافية طويلة الأمد، بدلاً من الزيارات السريعة، بما يساهم في خلق فرص عمل في قطاعات الضيافة والإرشاد السياحي وحماية التراث.
كربلاء والعتبة الحسينية
تُعد مدينة كربلاء من أبرز مراكز السياحة الدينية في العراق، حيث تستقبل ملايين الزائرين سنوياً خلال مواسم الزيارات الكبرى. وقد رافق هذا التدفق تطوير واسع في الخدمات التي تقدمها العتبة الحسينية، شمل توسيع مرافق الاستقبال، وتنظيم النقل الجماعي، وإنشاء مجمعات ضيافة ومراكز إعلامية متعددة اللغات.
وخلال السنوات الأخيرة، بدأت شركات سفر إقليمية ودولية بإدراج كربلاء ضمن برامج سياحية ذات طابع ثقافي، تركز على التعريف بالتاريخ الاجتماعي والإنساني للمدينة، إلى جانب البعد الديني، في إطار ما يُعرف بالسياحة الدينية المسؤولة.
ولا تقتصر السياحة الثقافية في العراق على المدن الدينية، إذ تشمل مواقع أثرية بارزة مثل أور وأوروك في محافظة ذي قار، وبابل المدرجة على لائحة التراث العالمي، فضلاً عن الأهوار الجنوبية. وفي شمال البلاد، يقدم إقليم كردستان مزيجاً من السياحة البيئية والثقافية، مع مواقع تاريخية مثل قلعة أربيل ومقام لالش الإيزيدي.
آراء من الميدان
ويقول مرشدون سياحيون محليون إن نوعية السياح الأجانب تغيرت خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد أعداد العائلات والمجموعات الثقافية. كما أعرب سياح أوروبيون عن مفاجأتهم بمستوى الأمن وحفاوة الاستقبال، مشيرين إلى أن التجربة العراقية فاقت توقعاتهم، رغم الحاجة إلى مزيد من التنظيم والخدمات.
ويرى مختصون أن العراق يمتلك مقومات حقيقية للتحول إلى وجهة رئيسية للسياحة الثقافية في المنطقة، شريطة استمرار الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الموارد البشرية، وتعزيز الشراكات الدولية. ومع تنامي الاهتمام العالمي بالسياحة المستدامة، قد يشكل التراث العراقي، المادي وغير المادي، أحد أهم عناصر الجذب في السنوات المقبلة.



